وهبة الزحيلي
110
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة : تقبل شهادة أهل الأهواء العدول إلا صنفا من الرافضة وهم الخطابية . وقال محمد : لا أقبل شهادة الخوارج ، وأقبل شهادة الحرورية ؛ لأنهم لا يستحلون أموالنا ، فإذا خرجوا استحلوا « 1 » . واشتراط إسلام الشهود هو مذهب الجمهور ( مالك والشافعي وأحمد ) وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى . وقال ابن القيم في ( أعلام الموقعين والطرق الحكمية ) : البينة في الشرع أعم من الشهادة ، فكل ما يتبين به الحق كالقرائن القطعية يسمى بيّنة ، فلا مانع أن تدخل شهادة غير المسلم في البينة بذلك المعنى ، إذا تبين للحاكم الحق بها . وقوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ مؤكد لاشتراط الإسلام والعدالة ؛ لأن المعنى : ممن ترضون دينهم وعدالتهم من الشهداء ، أو من النساء ؛ وجيء بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها ، والخطاب يعم جميع الناس ، حكاما وغيرهم ، ولا بد في رأي الجمهور من ثبوت العدالة للشهود بالتزكية . وقال أبو حنيفة : لا حاجة للتزكية ، فكل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل ، وإن كان مجهول الحال . وذكر اللّه تعالى السبب في جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل ، أي اعتبار العدد في شهادة النساء : وهو التذكير صونا لحكم الشهادة ؛ لعدم ضبط المرأة وقلة عنايتها ونسيانها ، فتذكر كل منهما الأخرى . وبما أن العلة في الحقيقة هي التذكير ، وكان الشأن في النساء النسيان ، نزّل النسيان منزلة العلة ، أي نزل السبب منزلة المسبب . فقد جرت العادة أن المرأة لا تهتم كثيرا بالمعاملات المالية
--> ( 1 ) البحر المحيط : 2 / 347